القرطبي

43

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت ) أسنده الثعلبي . وفي سنن ابن ماجة عن حبة وسواء ابني خالد قالا : دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج شيئا فأعناه عليه ، فقال : ( لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما فإن الانسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ( 1 ) ثم يرزقه الله ) . وروي أن قوما من الاعراب زرعوا زرعا فأصابته جائحة فحزنوا لأجله ، فخرجت عليهم أعرابية فقالت : ما لي أراكم قد نكستم رءوسكم ، وضاقت صدوركم ، هو ربنا والعالم بنا ، رزقنا عليه يأتينا به حيث شاء ! ثم أنشأت تقول : لو كان في صخرة في البحر راسية * صما ململمة ملسا نواحيها رزق لنفس براها الله لانفلقت * حتى تؤدي إليها كل ما فيها أو كان بين طباق السبع مسلكها * لسهل الله في المرقى مراقيها حتى تنال الذي في اللوح خط لها * إن لم تنله وإلا سوف يأتيها قلت : وفي هذا المعنى قصة الأشعريين حين أرسلوا رسولهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمع قوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) فرجع ولم يكلم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ليس الأشعريون بأهون على الله من الدواب ، وقد ذكرناه في سورة ( هود ( 2 ) ) . وقال لقمان : ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة ) الآية . وقد مضى في ( لقمان ( 3 ) ) وقد استوفينا هذا الباب في كتاب ( قمع الحرص بالزهد والقناعة ) والحمد لله . وهذا هو التوكل الحقيقي الذي لا يشوبه شئ ، وهو فراغ القلب مع الرب ، رزقنا الله إياه ولا أحالنا على أحد سواه بمنه وكرمه . قوله تعالى : ( مثل من انكم تنطقون ) قراءة العامة ( مثل ) بالنصب أي كمثل ( ما أنكم ) فهو منصوب على تقدير حذف الكاف أي كمثل نطقكم و ( ما ) زائدة ، قاله بعض الكوفيين . وقال الزجاج والفراء : يجوز أن ينتصب على التوكيد ، أي لحق حقا مثل

--> ( 1 ) القشر هنا الثياب . ( 2 ) راجع ج 9 ص 6 ( 3 ) راجع ج 14 ص 66